ناصرعبدالحفيظ يكتب : تذكروا هذا الكلام… بعد أشهر سيتغير معيار الصورة في السينما والدراما والبرامج التلفزيونية
الثلاثاء 13-10-2026 17:55
من واقع تجربتي في الكليبات والبرامج والدراما والأكشن… الذكاء الاصطناعي يمهّد لجيل جديد من صُنّاع السينما
تذكروا هذا الكلام، لأنني سأعيد نشره بعد ستة أشهر: أتوقع أن يصبح الإنتاج المدعوم بالذكاء الاصطناعي معيارًا جديدًا لجودة الصورة في الأفلام والمسلسلات، إلى درجة تجعل عين المشاهد أكثر تطلبًا، وأقل ارتياحًا لأي إنتاج يعجز عن مجاراة هذا المستوى.
أطرح هذا التوقع من واقع خبرتي في التأليف والإخراج، وعملي في الكليبات والبرامج، وتجاربي الخاصة في بناء مشاهد الدراما والأكشن باستخدام الذكاء الاصطناعي. وهي ممارسة أختبر فيها يوميًا قدرة الأدوات على تحويل الخيال إلى صورة، وأتعامل مع أخطائها وحدودها، وأتابع كيف ينعكس تطورها على طريقة التفكير والتنفيذ.
بدأتُ تجربتي في صناعة الصورة السينمائية والدراما داخل الكليب الغنائي بالذكاء الاصطناعي من خلال تعاوني مع الفنان هيثم الشاولي. كانت هذه الأعمال بداية بحث عملي عن كيفية تحويل الأغنية إلى حكاية بصرية، تتفاعل فيها الشخصيات والأماكن وحركة الكاميرا مع الكلمات والموسيقى، وتحمل الصورة إحساسًا وتطورًا دراميًا.
كان السؤال الذي يشغلني: كيف أجعل المشاهد يعيش الأغنية؟ كيف يتحول الحنين إلى مكان وشخصية ونظرة؟ وكيف يصبح الإيقاع حركة لها معنى داخل المشهد؟ ومن هذه البداية، أخذت أختبر أدوات الذكاء الاصطناعي وأطوّعها لخدمة رؤيتي الإخراجية.
واتسعت التجربة مع الفنان أسامة جبور في كليبات منها «غمزة» و«مغرومين» و«محسوب علينا». لكل أغنية حالتها ولغتها البصرية؛ فالرومانسية تحتاج إلى نظرات ومسافات وإيقاع خاص بين الشخصيات، والبهجة تحتاج إلى حركة وحيوية، والشجن يحتاج إلى صورة تمنح الإحساس وقته.
ومع الفنان طارق غازي، اتسع المسار إلى مشروع يضم مجموعة كبيرة من الأعمال. وقد تناولت الأخبار الصحفية ستة عناوين ضمن هذا التعاون: «وصفة عطار»، و«أحلى عروس»، و«مين قال»، و«عيد ميلاد»، و«ست الحلا»، و«مش هسمح لك»، ثم جاءت تغطيات «العالم ليش يأسانة». وإلى جانب هذه الأعمال، نعمل على «مش قادر من دونك كفي»، بما يفتح أمامنا مساحة أوسع لبناء عوالم سينمائية تتنوع بين الفرح والرومانسية والشجن والحكاية الشعبية. (sada-elarab.com, alqraralaraby.com)
وقد أدرك الفنان طارق غازي، بحسه الفني، ما تفتحه هذه التجربة من آفاق، فكلّفنا بإعادة تقديم أرشيفه الغنائي بشكل جديد ومعاصر. وهي ثقة أعتز بها، ومسؤولية أتعامل معها باعتبارها مشروعًا لإعادة اكتشاف الأغنيات بصريًا، والحفاظ على روحها وإحساسها، مع منحها حكايات وشخصيات وأماكن تصل بها إلى جمهور اليوم.
هذا التكليف يعكس وعي فنان يرى في رصيده الغنائي مادة حية تستطيع أن تتجدد، وأن تفتح علاقة مع أجيال أخرى. ومن جهتي، أبدأ من كلمات كل أغنية وموسيقاها، ثم أبني عالمها الدرامي وأختار الصورة التي تمنح إحساسها حضورًا على الشاشة.
وفي «هيبة» مع أحمد أبوزيد، اتجهت التجربة إلى عالم يجمع الحضور القوي والفخامة والأكشن. هذا التنوع بين الأعمال يمنحني فرصة لاختبار الأدوات في حالات مختلفة، وفهم ما تحتاج إليه كل حالة حتى تصبح مقنعة ومتماسكة.
وإلى جانب التعاونات الغنائية، أواصل أعمالي وتجاربي الخاصة في الذكاء الاصطناعي وبناء المشاهد بلغة سينمائية: عوالم تاريخية، وأجواء تستدعي الثمانينات، ولحظات رومانسية، ومطاردات سيارات، ومواجهات وحركة وانفجارات داخل سياق درامي تخييلي. وفي كل تجربة، أبحث عن العلاقة بين جمال الصورة ومنطق الحدث، وعن قدرة المشهد على الاحتفاظ بهوية شخصياته واستمرارية تفاصيله.
أما في الموسم الثاني من برنامج «كود بشري»، إعداد وتقديم اسما الكردي، فقد أخذت التجربة مسارًا يربط الفكرة الإنسانية بالمعالجة السينمائية. أُنجزت خمس حلقات ضمن موسم يضم عشر حلقات، مع توظيف الذكاء الاصطناعي في بناء مواقف ومشاهد تقرّب موضوعات البرنامج من الجمهور.
حين نتحدث عن اختلاف طرق التفكير، أو الحاجة إلى الأمان والتقدير، يصبح أمامنا مجال لتجسيد الفكرة في سلوك ونظرة وصمت وموقف بين شخصيتين. وهنا تتضح قيمة الصورة: أن تمنح الكلام حياة، وأن تساعد المشاهد على فهم نفسه وعلاقاته من خلال موقف يستطيع التعرف عليه.
هذه الممارسة هي أساس توقعي للمستقبل. أقضي وقتًا في بناء المشهد، ثم مراجعة الوجوه والإضاءة والملابس والحركة، والمحاولة المتكررة للحفاظ على ملامح الشخصية وعمرها وتفاصيلها. وقد تكون النتيجة جميلة، لكن تغير وجه البطل، أو اختلال حجم السيارة، أو حركة غير منطقية، يكفي لكسر اقتناع المشاهد.
ولهذا أرى أن تطور الذكاء الاصطناعي سيزيد أهمية الخبرة الفنية. المخرج يحتاج إلى تصور واضح، ومعرفة بما يخدم المشهد، وقدرة على تقييم النتيجة وإعادة بنائها. والكاتب يحتاج إلى شخصيات لها دوافع، ومواقف تتطور، وحوار يحمل معنى. الأدوات توسّع قدرتنا على التنفيذ، والحرفة تمنح هذا التنفيذ اتجاهه وقيمته.
من هنا أتوقع ظهور جيل جديد من شركات الإنتاج والمخرجين والكتاب؛ جيل هجين يجمع بين أصول المهنة والخبرة العملية في استخدام الذكاء الاصطناعي. من يفهم الدراما والإيقاع والتكوين، ويمتلك تجربة متراكمة مع هذه الأدوات، ستكون لديه قدرة أكبر على تحويل الإمكانات التقنية إلى عمل له شخصية وأثر.
وسيكون لمن بدأوا مبكرًا نصيب مهم من هذا التحول. المحاولة والتصحيح والتطوير تمنحهم معرفة بحدود الأدوات، وبالوقت والجهد اللازمين للوصول إلى نتيجة صالحة. هذه خبرة إنتاجية وفنية تتكون مع العمل اليومي.
كما أتوقع أن تتغير حسابات الإنتاج. أفكار كانت تُستبعد بسبب تكلفة المكان أو صعوبة التنفيذ قد تجد فرصتها، وفرق أصغر قد تستطيع تقديم عوالم أكثر اتساعًا. ومع انتشار هذه القدرة، ستشتد المنافسة على الفكرة وخصوصية الأسلوب وجودة التنفيذ.
أما عين المشاهد، فهي تتعلم مما تراه. كل صورة ثرية ومقنعة ترفع توقعاته من الصورة التالية. وإذا استطاع الإنتاج المدعوم بالذكاء الاصطناعي تقديم هذا المستوى باستمرار داخل أعمال متماسكة، فسوف يصبح الـ«Benchmark»؛ المرجع الذي تُقاس عليه الجودة الإنتاجية.
ومع ذلك، تظل جودة المحتوى بحاجة إلى حكاية تستحق المشاهدة وإحساس يصل إلى الناس. يمكن أن نصنع قصرًا ومدينة وعالمًا كاملًا، وتبقى قيمة المشهد مرتبطة بما يحدث داخله وبما نشعر به تجاه شخصياته. ومن واقع عملي، أرى أن أكثر النتائج تأثيرًا تأتي حين تخدم التقنية لحظة إنسانية واضحة: اشتياقًا، أو أمانًا، أو خوفًا، أو قرارًا يغير مصير الشخصية.
رهاني أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تسارعًا كبيرًا في هذا التحول، وأن الصُنّاع الذين يجمعون الخبرة الفنية بالممارسة التقنية سيكونون من أقدر الناس على تشكيله.
أكتب هذا في أكتوبر ٢٠٢٦، وسأعيد نشره في أبريل ٢٠٢٧، لنرى أين أصاب التوقع، وأين احتاج إلى مراجعة، وما الأعمال والأسماء التي فرضت حضورها.
تذكروا هذا الكلام… بعد ستة أشهر، ستكون الأعمال نفسها هي الدليل.


اترك تعليقاً