حسين السمنودي يكتب : الهوى والهوية.. حين تتصارع الرغبات مع الثوابت
الإثنين 26-10-2026 16:33
هناك معركة صامتة تدور داخل الإنسان، وبين أفراد المجتمع الواحد، بل وداخل الأمم والشعوب، معركة لا تستخدم فيها الأسلحة ولا ترفع فيها الرايات، وإنما تدور رحاها بين الهوى والهوية، بين ما تشتهيه النفس وما تفرضه القيم، وبين الرغبات الشخصية التي تتغير بتغير المصالح والظروف، والثوابت التي تشكل وجدان الإنسان وتحدد ملامح انتمائه وشخصيته.
فالهوى هو ذلك الميل الذي قد يدفع الإنسان إلى اختيار ما يحب، حتى وإن كان مخالفًا للصواب، أما الهوية فهي الجذور التي ينتمي إليها، والتاريخ الذي يحمله، والثقافة التي تشكل وعيه، والقيم التي تربى عليها، واللغة التي يتحدث بها، والوطن الذي يعيش على أرضه، والعقيدة التي يؤمن بها. وبين الاثنين مسافة كبيرة، قد ينجح الإنسان في الحفاظ عليها بعقله ووعيه، وقد يضيع فيها عندما يسمح لأهوائه بأن تقوده بعيدًا عن جذوره وثوابته.
ليست المشكلة أن يكون للإنسان هوى أو رغبات أو طموحات، فهذه طبيعة بشرية لا يمكن إنكارها، وإنما المشكلة أن يتحول الهوى إلى حاكم على العقل، وأن تصبح الرغبة الشخصية أعلى من الحقيقة، وأن يختار الإنسان من هويته ما يناسب مصلحته، ويتخلى عما لا يتفق مع رغباته، وكأن الانتماء قائمة من الاختيارات التي يمكن تعديلها كلما تغيرت الظروف.
إن الهوية ليست مجرد كلمات نرددها في المناسبات، ولا شعارات نرفعها عندما نحتاج إلى إثبات انتمائنا، فالهوية مسؤولية وسلوك وموقف ووعي. هي أن تعرف من أنت، وإلى أي أرض تنتمي، وما تاريخك، وما القيم التي ينبغي أن تحكم تصرفاتك، وكيف تحافظ على خصوصيتك الحضارية دون أن تنغلق على العالم أو ترفض الاستفادة من تجاربه.
والأخطر في زماننا أن البعض أصبح يخلط بين الحرية والانفلات، وبين الانفتاح والتخلي عن الهوية، وبين التطور والتنكر للأصول، حتى بات هناك من يرى أن التقدم لا يتحقق إلا بالتشبه بالآخرين، وأن الحداثة تعني أن نتخلص من كل ما ورثناه من قيم وعادات وتقاليد، دون أن يميز بين ما يستحق الحفاظ عليه وما يحتاج إلى مراجعة وتطوير.
وهنا يجب أن نؤكد أن الحفاظ على الهوية لا يعني رفض العلم الحديث، ولا معاداة التطور، ولا التمسك بكل الموروثات دون تفكير. فالهوية الحقيقية ليست سجنًا للعقل، وإنما هي قاعدة ننطلق منها نحو المستقبل. ومن حق المجتمعات أن تتطور، وأن تتعلم من تجارب الأمم الأخرى، وأن تستفيد من تقدمها العلمي والتكنولوجي، لكن دون أن تفقد شخصيتها أو تتنازل عن ثوابتها أو تتحول إلى صورة مكررة من مجتمعات أخرى.
ومن هنا تظهر أهمية الاعتماد على الآراء العلمية الموثوقة، والرجوع إلى المتخصصين وأصحاب الخبرة، وعدم ترك القضايا التي تمس هوية المجتمع وثقافته وتاريخه فريسة للأهواء والانطباعات الشخصية. فليس كل من تحدث في قضية أصبح خبيرًا بها، وليس كل رأي انتشر بين الناس أصبح حقيقة، وليس كل ما يقدمه البعض تحت مسمى التنوير أو التجديد يستند إلى أساس علمي صحيح.
إن العلم هو أحد أهم أدوات حماية الهوية، لأنه يمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الحقيقة والخرافة، وبين الموروث الصحيح والموروث الذي يحتاج إلى مراجعة، وبين الثوابت التي تستحق التمسك بها والممارسات الخاطئة التي لا ينبغي أن ننسبها إلى هويتنا. فالعقل الواعي لا يخشى السؤال، ولا يهرب من المناقشة، ولا يعتبر الاعتراف بالخطأ إهانة، بل يرى في البحث والمراجعة طريقًا إلى الحقيقة.
ولعل من أخطر ما يهدد الهوية أن يصبح الإنسان تابعًا لكل موجة عابرة، يقلد دون أن يفهم، وينقل دون أن يتحقق، ويتبنى أفكارًا لا يعرف جذورها ولا نتائجها، لمجرد أنها أصبحت موضة أو لأنها تحظى بإعجاب بعض المحيطين به. وهنا يفقد الإنسان تدريجيًا قدرته على التفكير المستقل، ويصبح مستهلكًا للأفكار بدلًا من أن يكون قادرًا على إنتاجها ومناقشتها.
وعلى المستوى الوطني، فإن الهوية المصرية ليست مجرد اسم على خريطة، وإنما هي حكاية وطن يمتد تاريخه عبر آلاف السنين، وحضارة صنعت الإنسان وأثرت في العالم، وشعب واجه التحديات وصنع من الصبر قوة، ومن المحن إرادة، ومن الاختلافات نسيجًا اجتماعيًا يجمع المصريين. إنها هوية تشكلت عبر التاريخ، وامتزجت فيها روافد حضارية وثقافية ودينية وإنسانية، لتصنع شخصية مصرية لها خصوصيتها ومكانتها.
ومصر ليست مجرد حدود جغرافية، وإنما هي انتماء ومسؤولية وذاكرة مشتركة. ومن يحب وطنه لا يكتفي بالكلام عنه، وإنما يحافظ على مؤسساته ومقدراته، ويحترم تاريخه، ويعمل من أجل مستقبله، ويختلف في الرأي دون أن يتحول الاختلاف إلى هدم أو كراهية أو تخوين.
أما الهوية العربية، فهي رابط اللغة والثقافة والتاريخ والمصير المشترك، وهي مساحة واسعة من التواصل الإنساني والحضاري بين الشعوب العربية، لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد حنين للماضي، بل يجب أن تكون دافعًا للعمل المشترك والتعاون العلمي والاقتصادي والثقافي، بعيدًا عن الشعارات التي لا تجد طريقها إلى الواقع.
والهوية الإسلامية بدورها ليست مجرد مظاهر شكلية أو كلمات تقال، وإنما هي منظومة من القيم والأخلاق والعدل والرحمة والأمانة واحترام الإنسان، وهي دعوة إلى العلم والعمل والإحسان وإعمار الأرض. ولا يصح أن نجعل أهواءنا الشخصية معيارًا لفهم الدين، أو أن نستخدمه لتبرير التعصب والخصومة، فالإسلام أوسع من أن تختزله تصرفات بعض المنتسبين إليه، وأسمى من أن يتحول إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية.
إن الهوية لا تتناقض مع التعدد، ولا تعني أن يكون جميع الناس نسخة واحدة، فالمجتمع القوي هو الذي يعرف كيف يحترم اختلاف أبنائه، ويجمعهم على أرضية مشتركة من المواطنة والحقوق والواجبات والاحترام المتبادل. فالاختلاف في الرأي والثقافة والخلفيات الاجتماعية لا ينبغي أن يكون سببًا للفرقة، وإنما يمكن أن يكون مصدرًا للثراء الفكري والحضاري إذا أحسن الناس التعامل معه.
وفي المقابل، لا يجوز أن نتخذ من احترام الاختلاف ذريعة للتخلي عن كل قيمة أو ثابت، فهناك فرق بين أن تحترم الآخرين وبين أن تفقد احترامك لذاتك، وبين أن تنفتح على الثقافات الأخرى وبين أن تذوب فيها، وبين أن تتعلم من تجارب العالم وبين أن تنكر تاريخك وتتنصل من جذورك.
إن الأسرة هي الحصن الأول للهوية، ففيها يتعلم الطفل معنى الانتماء، واحترام الكبير، والرحمة بالصغير، والصدق والأمانة، وحب الوطن، واحترام العلم والمعرفة. وإذا غابت الأسرة عن دورها، وتركت أبناءها يتلقون أفكارهم وقيمهم من مصادر مجهولة دون توجيه أو نقاش، فإننا نترك مساحة واسعة أمام أي تيار أو فكر أو سلوك ليشكل وعي الأجيال الجديدة.
وتأتي المدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية لتكمل هذا الدور، فبناء الهوية ليس مسؤولية مؤسسة واحدة، وإنما هو مسؤولية مجتمع بأكمله. نحن بحاجة إلى تعليم يربي العقول لا يكتفي بحشوها بالمعلومات، وإعلام يقدم المعرفة لا يكتفي بإثارة الجدل، ومؤسسات ثقافية تعيد الاعتبار للقراءة والبحث والفنون والتاريخ، وخطاب ديني مستنير يربط الناس بالقيم الصحيحة ويحصن عقولهم من التطرف والتعصب.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة مؤثرة في تشكيل الوعي والهوية، فهي قادرة على نشر المعرفة والثقافة والتواصل بين الشعوب، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى مصدر للفوضى الفكرية وتزييف الحقائق وترويج الأفكار المغلوطة. ولذلك لا بد أن نتعامل معها بعقل ناقد، فلا نصدق كل ما نقرأ، ولا نشارك كل ما يصل إلينا، ولا نجعل عدد المتابعين أو حجم الانتشار دليلًا على صحة المعلومة.
إن أخطر إنسان على هويته هو ذلك الذي لا يعرف قيمتها، وأخطر مجتمع على مستقبله هو الذي يسمح للأهواء بأن تعيد تشكيل وعي أبنائه دون علم أو دراسة أو إدراك للعواقب. فحين تتراجع المعرفة يتقدم الجهل، وحين يغيب التفكير العلمي تنتشر الخرافة، وحين يصبح التعصب أقوى من الحوار تضيع الحقيقة بين الأصوات المتصارعة.
ولا بد أن ندرك أن الهوية ليست شيئًا جامدًا لا يتغير، بل هي كيان حي يتفاعل مع الزمن، ويتطور بالعلم والخبرة والتجارب، لكنه لا يفقد جذوره. فالأمم العظيمة لم تتقدم لأنها تخلت عن شخصيتها، وإنما لأنها استطاعت أن تجمع بين الاعتزاز بماضيها والاستعداد لمستقبلها، وبين احترام تراثها والاستفادة من منجزات العصر.
وهنا تبرز مسؤولية المثقفين والإعلاميين والكتاب والعلماء والمفكرين، فهم ليسوا مجرد أصحاب أقلام أو ألقاب، وإنما أصحاب رسالة في تشكيل الوعي العام. عليهم أن يواجهوا الأفكار المغلوطة بالحجة، وأن يقدموا المعرفة بدلًا من الضجيج، وأن يفرقوا بين النقد البناء والهدم، وبين حرية التعبير وترويج الأكاذيب، وبين التجديد الحقيقي والتقليد الأعمى.
إننا لا نريد إنسانًا أسيرًا للماضي، ولا إنسانًا تائهًا بلا جذور، وإنما نريد إنسانًا يعرف تاريخه ويعيش عصره ويستعد لمستقبله، يمتلك عقلًا منفتحًا وقلبًا واعيًا، يحترم العلم ولا يعبد الأشخاص، ويعتز بهويته دون أن يتكبر على الآخرين، ويختلف دون أن يتخاصم، ويناقش دون أن يتعصب.
فلا تجعلوا الهوى يسرق منكم هويتكم، ولا تجعلوا التعصب يحجب عنكم الحقيقة، ولا تجعلوا التقليد الأعمى بديلًا عن التفكير، ولا تسمحوا للأصوات العالية أن تتغلب على صوت العلم والعقل والضمير.
إن الهوية التي لا يحميها الوعي تصبح عرضة للضياع، والهوية التي لا يسندها العلم قد تتحول إلى مجرد شعارات، أما الهوية التي يجتمع حولها العلم والأخلاق والانتماء والاعتزاز بالجذور، فهي القادرة على صناعة الإنسان القوي والمجتمع المتماسك والوطن الذي يعرف طريقه إلى المستقبل.
فالهوى يتغير بتغير المصالح، أما الهوية فهي جذور لا ينبغي أن نقتلعها بأيدينا. والعلم هو البوصلة التي تمنعنا من التيه بين الاثنين. ومن لا يعرف من أين جاء، ولا يدرك من يكون، ولا يعرف إلى أين يريد أن يذهب، سيظل تابعًا لأهواء الآخرين، مهما ظن أنه يمتلك قراره.


اترك تعليقاً