سهيلة الرملي تكتب : موت معلن علي خشبة المسرح
الخميس 05-11-2026 14:31
مات سانتياغو… فمن قتل ضمير القرية؟
«موت معلن» على خشبة المسرح… حين تتحول حكاية من الماضي إلى مرآة مخيفة للحاضر.
لم يكن خروجي من قاعة المسرح بعد مشاهدة «موت معلن» مجرد نهاية لمشاهدة عرض مسرحي، بل كان بداية لحوار طويل مع نفسي.
هناك أعمال فنية تنتهي مع إسدال الستار، وأعمال أخرى تظل أبوابها مفتوحة داخل العقل، تلاحقك بأسئلتها، وتدفعك إلى إعادة النظر فيما اعتدت أن تراه أمرًا عاديًا. وهذا تحديدًا ما فعلته بي هذه التجربة.
استوقفتني المسرحية، المأخوذة عن عالم الأديب الكولومبي غابرييل ماركيز، ليس فقط بما تحمله من حكاية مأساوية، وإنما بما تطرحه من سؤال إنساني بالغ القسوة: كيف يمكن أن يعرف مجتمع بأكمله أن إنسانًا على وشك الموت، ثم لا ينجح أحد في إنقاذه؟

هنا تكمن عبقرية الحكاية… وهنا أيضًا تبدأ مسؤوليتنا نحن كمشاهدين.
ففي «موت معلن» لا ننتظر معرفة القاتل، ولا نبحث عن سر الجريمة؛ فنحن نعرف منذ البداية أن سانتياغو نصار سيموت، ونعرف أن شقيقي أنجيلا فيكاريو قررا قتله بدعوى استعادة شرف العائلة. لكن المأساة الحقيقية ليست في قرار القتل وحده، وإنما في مجتمع عرف، وتناقل الخبر، وشاهد مقدمات الجريمة، ثم تركها تقع.
ومن هنا أجد أن مروج جمال، التي تولت كتابة وإخراج العرض، قد اختارت مواجهة تحدٍ فني وفكري ليس سهلًا؛ فالتعامل مع نص لماركيز لا يعني مجرد نقل أحداث رواية إلى خشبة المسرح، بل يعني الإمساك بروح عالم أدبي شديد التشابك، تتداخل فيه الذاكرة مع الحقيقة، والقدر مع المسؤولية، والحكاية مع شهادة المجتمع على نفسه.
وتُحسب لمروج جمال محاولتها تقديم معالجة مسرحية تستحضر جوهر الرواية وتعيد طرح أسئلتها بلغة المسرح، بما يجعل المتفرج أمام قضية إنسانية تتجاوز حدود الزمن والمكان.
كما أن الجمع بين الكتابة والإخراج يمنح تجربتها خصوصية تستحق التوقف والتقدير.
أما فريق التمثيل، فقد كان حاضرًا في نقل أجواء الحكاية وصراعاتها إلى الجمهور، بمشاركة طه خليفة، ورضوى إيهاب، ويوسف رزق، ومحمد نوح، وخالد الحسيني. ولكل من هؤلاء تحية على مشاركته في صناعة هذه التجربة، مع تهنئة خاصة لطه خليفة ورضوى إيهاب على ما حصده كل منهما من تقدير وجوائز عن العمل.
ولا يمكن أن نتوقف عند الكاتب والمخرج والممثلين ونغفل بقية الجنود الذين يعملون خلف الستار؛ فالمسرح ليس بطولة فردية، وإنما نسيج تتشابك فيه عناصر فنية وإبداعية وتنظيمية، ولا تصل الفكرة إلى الجمهور إلا بتكامل جهود الجميع.
لذلك تستحق كل الأسماء التي ساهمت في خروج هذا العمل إلى النور التقدير والاحترام.
لكن، وبعيدًا عن حدود التقييم الفني، وجدتني أطرح سؤالًا آخر: هل ماتت قرية سانتياغو فعلًا، أم أنها ما زالت تعيش بيننا، ولكن بأسماء وملامح مختلفة؟
في زمن ماركيز، كان الخبر ينتقل من فم إلى فم، وكانت القرية تعرف أن جريمة ستقع. أما اليوم، فنحن نعيش في عالم لا يحتاج فيه الخبر إلى ساعات كي يصل إلى الجميع؛ ضغطة واحدة كفيلة بأن تجعل المأساة على مرأى ومسمع من ملايين البشر.
نرى الاستغاثة، ونتابع الظلم، ونشاهد التشهير، ونتداول صور الضحايا، ونصدر الأحكام أحيانًا قبل أن نعرف الحقيقة كاملة. فهل أصبحنا أكثر إنسانية لأننا نعرف أكثر؟ أم أننا تحولنا إلى جمهور واسع يجيد المشاهدة والتعليق، لكنه لا يجيد دائمًا تحمل مسؤولية ما يشاهده؟
لقد تغيرت السكاكين، أو لنقل إن بعضها أصبح غير مرئي. فهناك كلمات تستطيع أن تجرح وتدمر، وشائعات قد تقتل سمعة إنسان، وأحكام جماعية قد تحاصر شخصًا دون أن تمنحه فرصة للدفاع عن نفسه.
من سكاكين الثأر إلى سكاكين الكلمات في عصرنا، تتغير أدوات الإيذاء، لكن يبقى السؤال عن مسؤولية من يشاهد ولا يتدخل.
وهنا تتقاطع الحكاية مع قضية أخرى شديدة الأهمية، وهي سلطة المجتمع حين تتحول العادات والتقاليد إلى أحكام فوق النقد، وحين يصبح ما يسمى بالشرف مبررًا لإهدار كرامة الإنسان أو حتى حياته.
فكم من مظلمة ارتُكبت باسم التقاليد؟ وكم من إنسان دفع ثمن صورة رسمها الآخرون عنه؟ وكم مرة انتصر حكم المجتمع على صوت العقل والعدالة؟
ومن هذه المساحة تحديدًا، انتقلت بي المسرحية إلى منطقة أخرى من التأمل، ربما ترتبط أيضًا بخلفيتي كمتخصصة في علم الآثار.
لا أنظر إلى الماضي باعتباره مجرد أحجار ومبانٍ وأدوات تركتها حضارات رحلت، بل هو محاولة أن نقرأ الإنسان من خلال ما ترك خلفه؛ كيف عاش، وكيف فكر، وماذا قدّس، وممَّ خاف، وكيف تعامل مع الآخر.
لكنني أعتقد أن هناك نوعًا آخر من الآثار لا يقل أهمية عن الاثر في باطن الأرض: أثر ضمير الإنسان.
فقد نكتشف في طبقات الأرض آثار حضارة اختفت، لكننا قد نكتشف في طبقات السلوك الإنساني أن بعض الأفكار لم تختفِ أبدًا؛ فقط غيرت أسماءها وأدواتها، وانتقلت من جيل إلى جيل.
هل تخلصنا حقًا من الثأر الاجتماعي؟ هل تحررنا من الخوف من كلام الناس؟ هل أصبحنا أكثر عدلًا في الحكم على الآخرين؟ أم أننا استبدلنا مجالس القرية بمنصات التواصل، واحتفظنا أحيانًا بالآليات القديمة نفسها: الاتهام، والتشهير، والإقصاء، وانتظار سقوط الآخر؟
إن قيمة الفن المسرحي لا تقف عند حدود الإمتاع، ولا تتوقف عند براعة الأداء أو جمال الصورة، وإنما تمتد إلى قدرته على إيقاظ الأسئلة التي نؤجل مواجهتها. ومن هنا أرى أن تجربة «موت معلن» تستحق التقدير؛ لأنها أعادت تقديم حكاية أدبية مهمة في صورة تفتح بابًا للتأمل في علاقتنا بالحقيقة والعدالة والمسؤولية الإنسانية.
تحية لمروج جمال على الكتابة والإخراج، ولطه خليفة، ورضوى إيهاب، ويوسف رزق، ومحمد نوح، وخالد الحسيني، ولكل من شارك في هذا العمل، أمام الخشبة وخلفها. فكل تجربة مسرحية جادة هي جهد جماعي يستحق أن يُرى ويُقدّر، خاصة حين تنجح في أن تترك أثرًا يتجاوز لحظة العرض.
خرجت من المسرح وأنا أفكر أن الحضارات لا تُقاس فقط بما تشيده من معابد وقصور، ولا بما تتركه من آثار مادية، وإنما أيضًا بما تنجح في تجاوزه من أفكار وممارسات ظالمة.
فقد يموت الإنسان مرة بفعل الجريمة، لكنه قد يموت مرة أخرى حين يتخلى عنه المجتمع، وحين تتحول معاناته إلى مشهد يتفرج عليه الآخرون.
وربما لهذا السبب لم يكن موت سانتياغو نصار هو الحكاية الأكثر إيلامًا في «موت معلن»، بل كان الأكثر إيلامًا هو ذلك المجتمع الذي عرف أن الموت قادم، وتركه يأتي.
ويبقى السؤال الذي خرجت به من المسرح، والذي أظنه يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا:
إذا كان ماركيز قد أعلن موت سانتياغو منذ السطر الأول، فكم إنسانًا في واقعنا اليوم نعلن موته بصمتنا، أو بكلماتنا، أو بتخلينا عن مسؤوليتنا تجاهه؟
ربما تتغير الأزمنة، وتتبدل الحضارات، وتتطور أدوات الإنسان، لكن الاختبار الأصعب يظل كما هو: أن نمتلك الشجاعة لننحاز إلى الإنسان، قبل أن يصبح إنقاذه مستحيلًا.


اترك تعليقاً