رئيس التحرير

فليب فكرى يكتب : الرواسخ لا يعكر صفوها التراب

الأربعاء 16-09-2026 13:15

بقلم : فليب فكرى
آثرت الابتعاد عامدًا عن بعض الصراعات الظاهرية، التي لا تعني إلا أصحابها، والتي لا أراها سوى عواصف ترابية لا تأتي بأكثر من ثمة غبار وغمامة تزول بزوالها..

بينما عندما تعلق الأمر بتداول أخبار وتحقيقات ليس من شأنها سوى القضاء على هذا الصرح، فليس لي من الصمت شيء، فلم أجد فيما يُنشر سوى تشويه وتلويث بهدف الهدم والدمار، وليس بهدف الإصلاح والتطوير كما يزعمون، وهو ما يتضح وضوح الشمس، وما لا يستوجب الصمت..

قلما يوجد كيان أو مؤسسة ناجحة في مصر إلا ولابد، عندما تقترب منها، أن تجد كمًّا من الصراعات الداخلية التي تشوش الواجهة، بينما كلما اقتربت، ستعرف أن الكيان راسخ وعتيد، ولا تعرقله تلك الشوائب الترابية العابرة.

في البدء، تقدمت إلى هذا الصرح، عن طريق نصيحة من الأستاذ والصديق أ.د. نادر رفاعي، ربما بهدف الاستزادة.. ربما للاطلاع.. ربما للتجربة.. ولكنني بعد أن انضممت إلى رحاب المعهد العالي للنقد الفني، تأكد لي أنها ليست تجربة سهلة..

بالبلدي كده: (لقيت الموضوع بجد).. فوجئت أنني رجعت بعمري لأكثر من ثلاثين عامًا.. وكأنني لازلت أحبو في محراب التعليم الابتدائي.. وفوجئت أيضًا بما صَعُب عليَّ إدراكه حينها.. أنني كنت فيما قبل، كمن كان يرى بعين واحدة.. وكأنني لم أكن أعلم شيئًا من قبل، ليبدأ الصراع.. صراع العلم تجاه وهم المعرفة، لتتجه الدفة بعد أيام قليلة إلى الانحناء للفرصة التي أتت بي إلى هذا العالم الغني بالمعرفة.

وأرى أن من أهم ما تعلمته في هذا الصرح العظيم هو القراءة.. وكأنني كنت قبلًا أقرأ سطرًا وأترك الآخر.. تعلمت قراءة كل شيء له معيار فني… تعلمت قراءة عروض الباليه التي كنت فيما قبل أحضرها وأستمتع بها جدًا لجمال تكوينها وألوانها وانسيابها، بينما كانت هناك غمامة تحجب عني فهمها، قبل ارتيادي لهذا المحراب..
تعلمت قراءة الرواية والقصة التي كنت أعشقها قراءة وكتابة، بينما كانت قراءتي وكأنها مجتزأة وغير مكتملة، ولا أرى ما بين سطورها، قبل وجودي هنا..
تعلمت قراءة الموسيقى والعروض المسرحية والسينمائية والدراما بشتى أنواعها، والتي كنت أحرص كل الحرص على سماعها ومشاهدتها جيدًا.. بل وكنت أنقدها وأكتب تحليلات فنية عنها، وأدعي أنني كنت أكتبها بمهارة، ولكنها مهارة منقوصة، حيث إنني كنت أعتمد فقط على عين واحدة، عين الحس الفني والتذوق الفطري، شأني شأن أي مشاهد جيد المتابعة.. دون الإلمام بأدوات النقد الفني والإبداعي والمرجعيات والخلفيات التي حصلت عليها في هذا المكان العريق..

لأحصل بعد عامين من الدأب على عين أخرى، ولكنها أكثر وضوحًا، لتكتمل الرؤية، ولتجعلني أرى العمل الفني بمنظور أكثر شمولًا وفهمًا، وليتحقق حينها العدل في كتابة النقد المبني على أسس علمية وفنية، لا على إحساس فطري منقوص.

حظي العاثر أو السعيد، لا أعلم.. جعلني في دفعة قوامها صغير.. مما جعلني أشفق على السادة الأساتذة من هذا المجهود المضني.. بينما كنت أرى فيهم منهجًا آخر، لا يقل في تقديره عن مناهج النقد التي تعلمناها منهم، وهو العطاء..
العطاء الذي بات يطغى على كل شيء، فالجميع يقدمون لك كل الدعم والعلم والمساعدة، ولا يعنيهم سوى أن تستحق أن تكون على قدر هذه المنارة.

أتفهم أي صراع بين الباحثين والأساتذة وبعضهم، كما أرى بعض المشاكل التي تنتاب على الساحة، وهو أمر جائز ولا يخلو منه كيان، بينما لا أتفهم حملات التشويه التي ليس من شأنها سوى هدم أحد أهم الصروح الثقافية في مصر.

بينما الحديث عن تراجع أعداد الطلاب، الذي يتشدقون به وكأنه تهمة، وهو في حقيقة الأمر عكس ذلك، حيث يعلم كل باحث ارتاد هذا المكان صعوبة المواد الدراسية وعددها، خاصة لقسم النقد الفني، وطلبات الأبحاث والخطط البحثية وغيرها من الالتزامات التي قد تستلزم مجهودًا ووقتًا يعصى على الكثيرين، خاصة للذين افترضوا مثلي، في بادئ الأمر، أن الأمر يشبه الكورس، وليس بهذا القدر من الجدية والصرامة، وهو ما يجعل الكثيرين يتراجعون في بداية الطريق.. وربما اللائحة تحتاج الى مراجعة أو تعديل أو تسهيل، بينما لا أحبذ التساهل في الصرامة والتكثيف التي عانيت منها، بينما أدركت قيمتها فيما بعد.

أشهد أمام الله أنني تعلمت أكثر مما توقعت، وأن الغالبية العظمى من الأساتذة قدموا لي ولا يزالون كل دعم ومساندة وعلم، دون أي مقابل، كما أشهد أن العميد الحالي والسابق لم يبخلا في أي سؤال أو دعم أو نصيحة، كما أشهد أنه مهما تصاعدت الصراعات الداخلية، فإن المعهد العالي للنقد الفني لا يستحق أن يُطعن من أبناءه ولا أن يهدم لأجل عناد وأنانية وكبرياء وغضب أرعن وأعمى..

تصارعوا كما يحلو لكم، بعيدًا عن هذا الكيان، ولا تصوبوا سهامكم نحو هذا الصرح الذي بني على عاتق عظماء الثقافة والعلم والفن من العمالقة، والذي إذا هدم، سيقضي على ما تبقى من محاولات الوجود، كغيره من المؤسسات الثقافية الآيلة للسقوط..

آثرت ألا أذكر أسماء، بالرغم من أنني أتوق لشكر جميع الأساتذة، كي لا يفترض أحدًا ما ليس لي به شأن..
بينما ما سردته ما هو إلا شهادة ضمير وأمانة أمام الله، لصرح يستحق أن يعلو شأنًا، لا أن يُهدم ويُشوَّه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *