رئيس التحرير

الشاعرة الفلسطينية د. أحلام أبو السعود تكتب : يَوْمُ العَلَمِ الفِلَسْطِينِي.. عَهْدٌ لِلدَّمِ وَالرَّايَةِ

الأربعاء 30-09-2026 20:06

🇵🇸🇵🇸🇵🇸🇵🇸🇵🇸🇵🇸🇵🇸
بقلم: د. أحلام أبو السعود
سفيرة الإعلام العربي
🇵🇸🇵🇸🇵🇸🇵🇸🇵🇸🇵🇸🇵🇸
في الثلاثين من أيلول، لا نحتفي برايةٍ من قماش، ولا نستعيد ذكرى عابرة في زحام الأيام، بل نستحضر حكاية وطنٍ اختصر رايته في ألوان أربعة، واختصر في ألوانها تاريخ شعبٍ لم تنل منه سنوات الاحتلال، ولم تُسقطه الحروب، ولم تُطفئ في روحه جذوة الانتماء.

في يوم العلم الفلسطيني، تقف الراية شامخةً فوق أرض فلسطين، حاملةً في ألوانها ذاكرة شعبٍ عريق، وملامح وطنٍ تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل. الأسود والأبيض والأخضر والأحمر ليست مجرد ألوان؛ إنها ذاكرة الأرض، وصوت الحكاية الفلسطينية، ورمز الهوية الوطنية التي بقيت حاضرةً رغم محاولات الطمس والاقتلاع.

ففي الثلاثين من أيلول عام 2015، حين رُفع العلم الفلسطيني في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، لم يكن المشهد مجرد مراسم بروتوكولية؛ كان لحظةً سياسية ووطنية رمزية، وقف فيها العلم الفلسطيني إلى جانب أعلام دول العالم، ليقول بصمت الرايات وبلاغة الرموز: إن فلسطين حاضرة، وإن شعبها متمسك بحقه في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.

ذلك العلم الذي ارتفع في سماء الأمم المتحدة، كان يحمل معه وجوه الشهداء، وأنين الأسرى، ودموع الأمهات، وأحلام الأطفال، وخطوات اللاجئين الذين حملوا مفاتيح بيوتهم في الذاكرة ولم يحملوا الوطن يوماً على أنه ذكرى قابلة للنسيان.

العَلَمُ الفلسطيني ليس قطعة قماش؛ إنه وطنٌ يُرى.
إنه صورة فلسطين حين تضيق الكلمات، وهو الاسم حين تحاول الجغرافيا أن تُزوَّر، وهو العهد الذي تقطعه الأجيال على نفسها بأن تبقى فلسطين حاضرةً في الوعي والوجدان والتاريخ.

ومن غزة، التي دفعت وما زالت تدفع أثماناً باهظة من دم أبنائها وصمود أهلها، يبدو العلم الفلسطيني أكثر من رمز؛ يبدو رايةً تتحدى الانكسار. فحين يرتفع فوق بيتٍ مهدّم، أو بين أيدي طفلٍ نجا من الحرب، أو على كتف شابٍ يحمل حلم وطنه، فإنه يقول إن الخراب لا يهزم الهوية، وإن الجراح لا تلغي الانتماء.
وإذا كان الاحتلال قد حاول عبر عقود طويلة أن يفرض واقعاً جديداً على الأرض، فإن الراية الفلسطينية بقيت شاهدةً على حقيقةٍ لا تستطيع القوة وحدها محوها: أن للشعب الفلسطيني هويةً ووطنًا وذاكرةً وحقاً تاريخياً وسياسياً في أرضه.

وفي يوم العلم، نستذكر أيضاً كل من حملوا الراية قبلنا، وكل من ارتقوا وهم يؤمنون بأن فلسطين تستحق الحياة والحرية. نستذكر الأسرى الذين جعلوا من صبرهم راية، واللاجئين الذين جعلوا من مفاتيح بيوتهم راية، والأمهات اللواتي علّمن أبناءهن أن فلسطين ليست مجرد اسم على الخريطة، بل قضية وكرامة وحق.

يا علم فلسطين… يا رايةً خفّاقةً فوق وجعنا وأملنا،
ابقَ شاهداً على حكاية شعبٍ لم يتخلَّ عن وطنه، وعلى أجيالٍ ولدت وهي تعرف ألوانك، وتحفظ اسم فلسطين، وتؤمن أن الليل مهما طال لا بد أن يترك مكانه للفجر.

وفي هذه المناسبة الوطنية، فإن الوفاء للعلم لا يكون برفعه فقط، وإنما بصون معناه؛ بالتمسك بالهوية الفلسطينية، وبالوحدة الوطنية، وبالحق في الحرية والاستقلال، وبحماية الرواية الفلسطينية من التزييف والنسيان.

إن العلم الفلسطيني سيظل مرفوعاً في القلوب قبل الساريات، وفي المدارس والجامعات والميادين، وعلى تراب فلسطين وفي كل مكان يحمل فيه فلسطيني اسمه وهويته.
وسيظل الأحمر فيه يذكّرنا بتضحيات الشهداء، والأسود بصبر شعبٍ لم ينكسر، والأبيض بأمل السلام والحرية، والأخضر بجذور أرضٍ ضاربةٍ في عمق التاريخ.

وفي يوم العلم الفلسطيني، نقولها من قلب فلسطين:
هذه رايتنا… وهذه هويتنا… وهذه أرضنا التي يسكنها التاريخ قبل أن تسكنها الجغرافيا.
فليظل العلم الفلسطيني خفاقاً، لا لأن الريح تحمله فحسب، بل لأن إرادة شعبٍ كامل تحمله.
عَهْدٌ لِلدَّمِ، وَوَفَاءٌ لِلأَرْضِ، وَقَسَمٌ لِلرَّايَةِ…
وَسَتَبْقَى فِلَسْطِينُ حاضِرَةً فِي القَلْبِ وَالوَعْيِ وَالتَّارِيخ.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *