رئيس التحرير

ليالي الأنس والفرفشة فوق سطح المريخ.. لما الأرض ضاقت بأهلها والفضائيين فتحوا باب السهر!

الجمعة 16-10-2026 11:28

كتب : حسين السمنودي

تخيل يا سيدي أنك تعيش في زمن لم تعد فيه الأرض تكفي أحلام البشر، ولا شوارعها تتسع لزحامهم، ولا جيوبهم تتحمل مصاريفهم، ولا أعصابهم تصمد أمام أخبارها، فقرر بعض أصحاب المزاج العالي أن يتركوا الكوكب بما فيه، ويحزموا حقائبهم، ويشدوا الرحال إلى المريخ، بحثًا عن ليلة هادئة، وكوب من الشاي على الفحم، ونسمة هواء لا تحمل معها فاتورة كهرباء أو خبرًا عاجلًا عن ارتفاع الأسعار!
وهناك، فوق سطح الكوكب الأحمر، تبدأ الحكاية من أولها، حيث لا ضجيج سيارات، ولا أبواق ميكروباصات، ولا جار يطرق الباب في منتصف الليل ليطلب منك شاحن الموبايل، ولا صاحب محل يصرخ في وجه الزبائن، ولا موظف يقول لك بكل برود: «السيستم واقع يا فندم، تعالى بكرة». هناك فقط فضاء واسع، وصمت رهيب، وأرض حمراء تمتد إلى ما لا نهاية، وكأن الطبيعة قررت أن تمنح البشر فرصة جديدة للراحة، بشرط أن يتذكروا إحضار أسطوانة الأكسجين قبل النزول للفسحة!
وفي أول ليلة من ليالي الأنس والفرفشة، اجتمع رواد السهر الفضائي فوق سطح المريخ، ونصبوا الخيام، وأشعلوا الأنوار، وبدأت الاستعدادات لحفلة من النوع الثقيل. واحد أحضر السماعات، والثاني جاء بالرقصات، والثالث تعهد بتوفير المشروبات، أما الرابع فقد أعلن أنه مسؤول عن البوفيه المفتوح، لكنه اكتشف بعد وصوله أن البطاطس المحمرة تحتاج إلى زيت، والزيت يحتاج إلى إمدادات، والإمدادات تحتاج إلى مركبة، والمركبة تحتاج إلى وقود، والوقود يحتاج إلى ميزانية، والميزانية تحتاج إلى وزير مالية عنده قلب رحيم!
وهنا وقف منظم الحفلة وسط الجمع وقال بصوت جهوري: يا جماعة، الليلة ليلة فرح، وممنوع الكلام عن الأسعار، وممنوع الحديث عن الأزمات، وممنوع فتح أي موضوع يفسد المزاج. إحنا جايين المريخ علشان ننسى مشاكل الأرض، مش علشان ننقلها معانا في شنط السفر!
صفق الجميع بحماس، وبدأت الموسيقى الفضائية، وانطلقت أول رقصة مريخية في التاريخ، رقصة لا تحتاج إلى تدريب طويل، لأن الجاذبية المختلفة تجعل الراقص يطير قليلًا، ثم يهبط، ثم يطير مرة أخرى، حتى ظن الحاضرون أنهم يشاهدون فرقة استعراضية لا تحتاج إلى أجور ولا إلى مدرب لياقة بدنية. لكن الفرحة لم تكتمل، فقد تقدم أحد المشاركين بطلب رسمي إلى إدارة الحفلة، يطالب فيه بتعويض عن ثلاث قفزات زائدة تسببت في ابتعاده عن مكان السهرة مسافة مائتي متر، ولم يعد قادرًا على العودة إلا بمساعدة فريق الإنقاذ الفضائي!
أما صاحب المزاج العالي فقد جلس على كرسيه، وارتدى نظارة سوداء، وراح يتأمل النجوم، ثم قال لمن حوله: يا سلام على الهدوء! لا حد عارف أنا مين، ولا حد بيسألني شغال إيه، ولا حد بيطلب مني أخلص له مصلحة، ولا حد بيقول لي عندك واسطة؟ هنا الإنسان يعيش بحرية كاملة!
فرد عليه صديقه: استنى بس لما تفتح مصلحة الجوازات الفضائية، وتلاقي طابورًا من المريخيين، وكل واحد منهم عايز ختم إقامة، وشهادة ميلاد، وإثبات سكن، وإفادة بأنه لم يسبق له السفر إلى زحل!
انفجر الجميع في الضحك، حتى كاد أحدهم أن يسقط من فوق صخرة مريخية، لولا أن صديقه أمسك به من حزام بدلة الفضاء، وقال له: بالراحة يا نجم، إحنا لسه في أول السهرة، ومش ناقصين نبعثك في رحلة مجانية إلى أحد أقمار المشتري!
وفي ركن آخر، جلس مجموعة من الخبراء يناقشون مستقبل السياحة على الكوكب الأحمر. أحدهم اقترح إنشاء فندق خمس نجوم، والثاني طالب بإنشاء منتجع سياحي شامل، والثالث أراد إقامة شاطئ صناعي، رغم أن أقرب بحر يبعد ملايين الكيلومترات. أما الرابع فقد أعلن عن مشروع لإنشاء مدينة ملاهٍ فضائية، بها قطار الموت، وبيت الأشباح، وعجلة دوارة، لكنه نسي أن يشرح للناس كيف سيعيد الركاب إلى الأرض إذا تعطلت العجلة في منتصف الطريق!
وتقدم أحد رجال الأعمال بفكرة عبقرية، فقال: لماذا لا ننشئ مطعمًا يقدم الفول والطعمية والكشري على سطح المريخ؟ المصري الذي يسافر إلى آخر الدنيا يظل يبحث عن طبق فول محترم، حتى لو اضطر إلى استيراد الفول من الأرض بالطائرة!
وبدأت الحسابات، وظهرت الأرقام، وارتفعت تكلفة الوجبة الواحدة إلى مبلغ يكفي لشراء مطعم كامل في أحد الأحياء الشعبية على الأرض. عندها وقف رجل بسيط، كان قد جاء إلى المريخ هربًا من غلاء المعيشة، وقال: يا جماعة، أنا كنت فاكر إننا جايين هنا نرتاح من الغلاء، مش هنفتح فرعًا جديدًا منه في الفضاء! أنا راجع الأرض، حتى لو أكلت عيشًا وجبنة، المهم أعرف أتنفس من غير ما أدفع ثمن كل نفس في فاتورة منفصلة!
لكن المفاجأة الكبرى كانت عندما ظهر على شاشة عملاقة إعلان عاجل يقول إن إحدى الشركات الفضائية قررت إطلاق خدمة الإنترنت فائق السرعة لسكان المريخ، مع باقات تبدأ من سعر بسيط للغاية، بشرط دفع رسوم التأسيس، ورسوم التوصيل، ورسوم تشغيل المحطة، ورسوم الصيانة، ورسوم استقبال الإشارة، ورسوم إضافية إذا ظهرت سحابة ترابية أمام القمر الصناعي!
هنا صرخ أحد الحاضرين: يا نهار أبيض! هو إحنا هربنا من الأرض علشان نلاقي شركات الاتصالات مستنيانا على المريخ؟! ده حتى الفضائيين نفسهم مش هيعرفوا يتفرجوا على فيلم للآخر من غير ما الصورة تقف عند أهم مشهد!
وفي أثناء السهرة، قرر أحدهم تنظيم مسابقة لاختيار ملك وملكة الأنس والفرفشة فوق سطح المريخ. تقدم عشرات المتسابقين، وكل واحد بدأ يستعرض مواهبه. واحد قال إنه يستطيع النوم اثنتي عشرة ساعة متواصلة مهما كانت الظروف، والثاني أكد أنه يستطيع تحويل أي مشكلة صغيرة إلى أزمة قومية، والثالث تفاخر بأنه يمتلك قدرة خارقة على الكلام ساعتين كاملتين دون أن يقول معلومة واحدة مفيدة.
أما المتسابق الرابع فقد أعلن أنه خبير في تقديم النصائح للناس، لكنه لا يطبق نصيحة واحدة على نفسه. وقف أمام لجنة التحكيم وقال: أنا أؤمن بالعمل والاجتهاد، وأؤمن بأن النجاح يحتاج إلى تخطيط، وأؤمن بأن الإنسان لا بد أن يواجه الصعاب، ثم طلب من اللجنة أن تمنحه الجائزة قبل أن يبدأ، لأنه لا يحب إضاعة الوقت في التفاصيل!
لم تتمالك اللجنة نفسها من الضحك، ومنحته جائزة خاصة بعنوان «أفضل أداء في فن الكلام بلا عمل»، وسط تصفيق حار من الحضور، الذين أجمعوا على أن هذا النوع من المواهب لا يحتاج إلى تدريب على المريخ، لأنه متوافر بكثرة على الأرض!
وعندما انتصف الليل، جلس الجميع في دائرة كبيرة يتبادلون الحكايات عن كوكبهم القديم. حكى أحدهم عن زحام الطرق، وحكى الثاني عن الأسعار، والثالث عن الموظف الذي طلب منه العودة في اليوم التالي، والرابع عن شخص وعده بحل المشكلة خلال أربع وعشرين ساعة، ثم اختفى حتى أصبح العثور عليه أصعب من العثور على حياة عاقلة في مجرة بعيدة.
وبينما هم مستغرقون في الضحك، ظهر على شاشة الاتصالات الفضائية تنبيه عاجل: «وردت أنباء عن اكتشاف آثار لحياة ذكية على المريخ». قفز الجميع من أماكنهم، وبدأوا يبحثون عن الكائنات الفضائية، حتى ظهر مخلوق صغير يرتدي نظارة، ويحمل دفترًا، ويتقدم بخطوات ثابتة نحو الحاضرين.
قال المخلوق: مساء الخير، أنا مندوب إدارة شؤون الكواكب، وجئت لتحصيل رسوم إشغال سطح المريخ، ورسوم تنظيم الحفلات، ورسوم الضوضاء، ورسوم استخدام الهواء، ورسوم الإضاءة الليلية، ورسوم التخلص من المخلفات الفضائية.
ساد الصمت، وتوقفت الموسيقى، ونظر الجميع بعضهم إلى بعض في ذهول. ثم تقدم أحدهم وسأله: يا سيدي، إحنا جايين من الأرض علشان نهرب من كل ده، هو أنتم عندكم نفس النظام؟
ابتسم المخلوق وقال: يا حبيبي، أنتم فاهمين غلط. إحنا كنا عايشين في هدوء وسلام قبل ما تيجوا، لكن من ساعة ما وصلتوا وأنتم بتتكلموا عن مشاريع، وبتخططوا لمنتجعات، وبتطلبوا تراخيص، وبتختلفوا على إدارة الحفلات. إحنا بدأنا نفكر نسيب المريخ ونروح نعيش على كوكب تاني!
وهنا انفجرت الضحكات من جديد، وقال أحدهم: أهو ده الكلام! إحنا مش بننقل مشاكلنا من مكان لمكان، إحنا بنصدرها تصديرًا رسميًا، ومعانا ضمان خمس سنين ضد الهدوء والاستقرار!
وفي نهاية الليلة، قرر الجميع التقاط صورة تذكارية بعنوان «أول سهرة عربية فوق سطح المريخ»، وكتبوا تحتها: «الحياة جميلة، والضحكة غالية، لكن الفرفشة الحقيقية لا تحتاج إلى كوكب جديد، بل إلى قلوب تعرف تضحك، وعقول تعرف تفرق بين الجد والهزل، ونفوس لا تجعل كل شيء في الدنيا معركة».
وعاد كل واحد إلى خيمته، بينما بقي المخلوق المريخي واقفًا أمام دفتر الحسابات، يحاول فهم كيف تحولت ليلة هادئة على كوكب بعيد إلى مهرجان من الضحك والطلبات والفواتير والمشروعات العملاقة.
أما هو فقد اتخذ قرارًا تاريخيًا قبل شروق الشمس: إغلاق باب استقبال الزوار من الأرض مؤقتًا، إلى أن يتعلم القادمون كيف يستمتعون بالحياة دون أن يحولوها إلى اجتماع طويل، أو مناقصة مفتوحة، أو مشروع يحتاج إلى لجنة لدراسة الجدوى!
وهكذا انتهت ليالي الأنس والفرفشة فوق سطح المريخ، وبقي السؤال الذي حيّر سكان الكوكب الأحمر: هل البشر هم الذين يبحثون عن حياة جديدة في الفضاء، أم أنهم يحملون معهم الحياة القديمة بكل ما فيها من تناقضات، ثم يتساءلون لماذا لا يجدون مكانًا هادئًا يستريحون فيه؟
والحقيقة أن الإنسان قد يغير عنوانه، ويبدل كوكبه، ويركب مركبة تتجاوز سرعتها الخيال، لكنه إذا لم يغير طريقة تفكيره، فلن يجد راحته لا فوق سطح المريخ، ولا تحت سماء القمر، ولا حتى لو حجز جناحًا ملكيًا في أفخم فندق بين المجرات!
فاضحك يا سيدي، واضحك من قلبك، لأن الضحك أحيانًا هو آخر وسيلة دفاع يملكها الإنسان أمام عبث الحياة. لكن احذر وأنت تحجز رحلتك القادمة، فقد تصل إلى المريخ بحثًا عن ليلة أنس، فتجد نفسك أمام شباك التذاكر، تحمل رقمًا في طابور طويل، وتسمع الموظف الفضائي يقول لك بكل هدوء: «النظام متوقف مؤقتًا.. برجاء الحضور بعد افتتاح كوكب المشتري»!
وساعتها ستعرف أن الأرض، مهما ضاقت بنا، تظل وطن الحكايات التي لا تنتهي، وأن المريخ مهما اتسع، لن يحتمل كل هذا القدر من الفرفشة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *