رئيس التحرير

الدكتور حامد إسماعيل الفقي.. في زمن اختلاط الحقائق، نحتاج إلى عقول تعرف كيف تفكر لا كيف تردد

الخميس 05-11-2026 15:59

بقلم : حسين السمنودي

ليست كل الشخصيات التي تستحق الكتابة عنها هي تلك التي تصدرت المشاهد، أو احتلت مساحات واسعة من الأضواء، فهناك شخصيات تستحق أن نتوقف أمامها لأن طبيعة المجال الذي تنتمي إليه تفرض علينا إعادة النظر في علاقتنا بالعلم والفكر والثقافة، ولأن الحديث عنها يفتح أبوابًا من الأسئلة التي يحتاج المجتمع إلى مواجهتها. ومن هنا يأتي الحديث عن الدكتور حامد إسماعيل الفقي، المتخصص في الفلسفة الإسلامية، باعتباره مدخلًا إلى عالم فكري بالغ الأهمية، عالم لا يبحث فقط في الأفكار القديمة، وإنما يتصل اتصالًا مباشرًا بأزمات الإنسان المعاصر وأسئلته ومخاوفه وتطلعاته.
إن أخطر ما يواجه الإنسان في عصرنا ليس نقص المعلومات، وإنما وفرتها دون امتلاك القدرة على التمييز بينها. أصبح بإمكان أي شخص أن يتحدث في الدين والسياسة والتاريخ والاقتصاد والعلوم، وأن يقدم نفسه خبيرًا في كل شيء، بينما الحقيقة أن امتلاك المعلومة لا يعني بالضرورة فهمها، وتكرار الرأي لا يجعله حقيقة، وارتفاع الصوت لا يمنح صاحبه قوة الحجة. وفي هذا المشهد المزدحم تبرز قيمة الفلسفة، لا باعتبارها ترفًا فكريًا أو أحاديث بعيدة عن الواقع، وإنما باعتبارها ضرورة لحماية العقل من التبعية، والوعي من التضليل، والإنسان من الوقوع أسيرًا للأحكام الجاهزة.
والفلسفة الإسلامية تحديدًا تمتلك مساحة ثرية تستحق أن يعاد اكتشافها، فهي ليست مجرد استعراض لأسماء الفلاسفة ومذاهبهم، ولا محاولة لاستعادة الماضي بصورة حرفية، وإنما تجربة حضارية تكشف كيف تعامل العقل المسلم مع قضايا الوجود والمعرفة والأخلاق، وكيف خاض حوارات عميقة مع ثقافات وحضارات مختلفة، وكيف استطاع أن يستوعب ويناقش وينقد ويضيف.
لقد كان العقل المسلم حاضرًا في ميادين الطب والفلك والرياضيات والمنطق والفلسفة، ولم تكن الحضارة الإسلامية في فترات ازدهارها تخشى المعرفة القادمة من خارج حدودها، بل تعاملت معها بالترجمة والدراسة والمناقشة، ثم أضافت إليها من اجتهاد علمائها ومفكريها. وهذه واحدة من أهم الدروس التي ينبغي أن نستعيدها اليوم: الحضارة القوية لا تخاف من السؤال، ولا تنغلق أمام المعرفة، ولا تعتبر الاعتراف بالاختلاف ضعفًا، بل تمتلك الثقة التي تجعلها قادرة على الحوار والنقد والإبداع.
وعندما نتحدث عن متخصص في الفلسفة الإسلامية، فإننا نتحدث عن مجال يتطلب معرفة واسعة بتاريخ الأفكار، وقدرة على قراءة النصوص في سياقاتها، وفهمًا للعلاقة بين المقدمات والنتائج، وإدراكًا للفروق الدقيقة بين المدارس والمناهج. فالفلسفة لا تمنح صاحبها إجابات جاهزة عن كل شيء، وإنما تدربه على أن يسأل السؤال الصحيح، وأن يفحص الدليل، وأن يميز بين الحقيقة والادعاء.
وهذه المهارة تحديدًا أصبحت من أكثر المهارات التي يحتاج إليها مجتمعنا المصري والعربي. فنحن نعيش وسط موجات متلاحقة من المعلومات المتضاربة، والأفكار المتطرفة، والخطابات التي تستغل العاطفة، وأحيانًا توظف الدين أو الوطنية لتحقيق مصالح ضيقة. وأمام ذلك يصبح بناء العقل النقدي ضرورة اجتماعية، لأن الإنسان الذي لا يمتلك أدوات التفكير يمكن أن تقوده الشائعة، وأن تستدرجه الدعاية، وأن يتحول إلى ناقل لأفكار لا يعرف أصولها ولا يدرك نتائجها.
وليس المقصود بالعقل النقدي أن يشك الإنسان في كل شيء، أو أن يرفض كل ما ورثه، وإنما أن يتعامل مع ما يتلقاه بوعي، فيحترم الثابت، ويفهم المتغير، ويميز بين جوهر القيم وصور التعبير عنها، وبين الاختلاف المشروع والخصومة التي تهدم العلاقات الإنسانية.
ومن أكثر القضايا التي تستحق التأمل في الفلسفة الإسلامية قضية العلاقة بين العقل والإيمان. فهل الإيمان يتعارض مع التفكير؟ وهل التدبر يمكن أن ينتقص من اليقين؟ إن تاريخ الفكر الإسلامي يقدم نماذج متعددة من النقاش حول هذه المسائل، ويكشف أن العلاقة بين العقل والوحي كانت موضوعًا لمدارس واجتهادات واسعة. ومن المهم أن ندرس هذا التراث بإنصاف، بعيدًا عن الاختزال أو إصدار الأحكام العامة، وأن ندرك أن المعرفة الدينية الرصينة لا تستفيد من الجهل، وأن التدين الحقيقي لا يحتاج إلى تعطيل العقل.
إن الدين الذي يدعو الإنسان إلى التدبر والنظر والتفكر لا ينبغي أن يتحول في أذهان بعض الناس إلى مساحة مغلقة أمام السؤال والفهم. كما أن العقل الذي يبحث في الكون والإنسان لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للتكبر على الآخرين أو السخرية من معتقداتهم. المطلوب هو التوازن الذي يجعل العلم مسؤولًا، والإيمان واعيًا، والأخلاق حاضرة في حياة الإنسان.
وهنا تتجلى أهمية إحياء الدراسات الفلسفية الإسلامية بصورة معاصرة، بحيث لا تبقى أسيرة المصطلحات القديمة، ولا تنفصل في الوقت نفسه عن جذورها العلمية. نحن بحاجة إلى قراءة التراث بعين الباحث لا بعين المقلد، وإلى فهمه في ظروفه التاريخية، واستخلاص ما يمكن أن يضيفه إلى نقاشاتنا الراهنة حول الحرية والعدالة وكرامة الإنسان والمسؤولية الاجتماعية.
فهل يمكن أن نتحدث عن تقدم علمي حقيقي دون أن نسأل عن أخلاقيات استخدام العلم؟ وهل تكفي التكنولوجيا لصناعة مجتمع عادل؟ وهل يستطيع الإنسان أن يمتلك أحدث الأجهزة وأسرع وسائل الاتصال، بينما يعجز عن احترام حق جاره أو صيانة كرامة المختلف معه؟ هذه الأسئلة تكشف أن التقدم المادي وحده لا يصنع حضارة متوازنة، وأن العلم يحتاج إلى بوصلة أخلاقية تحمي الإنسان من تحويل قدراته إلى أدوات للهيمنة والإضرار بالآخرين.
ومن هنا تلتقي الفلسفة بالإنسانية؛ فكل بحث في العدالة يقودنا إلى حقوق المظلوم، وكل نقاش في الأخلاق يعيدنا إلى الأمانة والرحمة، وكل تأمل في قيمة الإنسان يضعنا أمام مسؤولية احترام كرامته مهما كان اختلافه معنا. وهذه ليست قضايا نظرية بعيدة عن حياة الناس، بل هي أساس استقرار المجتمعات وسلامة العلاقات بين أفرادها.
أما على المستوى الوطني، فإن مصر تحتاج إلى مشروع ثقافي وفكري يوازي طموحاتها في البناء والتنمية. فالمشروعات الكبرى تحتاج إلى عقول قادرة على إدارتها وتطويرها، والمؤسسات تحتاج إلى ثقافة عمل تقوم على المسؤولية والمحاسبة، والشباب يحتاجون إلى خطاب يحترم عقولهم ويمنحهم فرصة المناقشة بدلًا من الاكتفاء بتلقينهم الإجابات.
إن بناء الإنسان المصري لا يكتمل بتوفير التعليم وحده، وإنما يتطلب تعليمًا ينتج عقلًا قادرًا على الفهم والإبداع، ويصنع شخصية تحترم القانون، وتؤمن بقيمة العمل، وتدرك أن الاختلاف لا يهدد وحدة الوطن، وأن المواطنة مسؤولية متبادلة بين الفرد والدولة والمجتمع.
ولعل من أهم الرسائل التي يمكن أن يحملها الحديث عن الدكتور حامد الفقي أن التخصصات الفكرية والإنسانية ليست أقل أهمية من التخصصات التطبيقية. فكما نحتاج إلى المهندس الذي يشيد الجسور، والطبيب الذي ينقذ الأرواح، والعالم الذي يطور التكنولوجيا، نحتاج أيضًا إلى المفكر الذي يدرس تحولات المجتمع، والباحث الذي يفكك الأفكار، والمتخصص الذي يساعدنا على فهم جذور الأزمات الثقافية والفكرية.
فالأمم لا تواجه أزماتها بالأدوات المادية وحدها، بل تحتاج إلى وعي يسبق القرار، وثقافة تحمي المجتمع من الانقسام، وتعليم يمنح الإنسان القدرة على اتخاذ موقف مسؤول. وما أكثر حاجتنا اليوم إلى إعادة الاعتبار للفكر الجاد، وإلى فتح المجال أمام الباحثين والمتخصصين ليكونوا شركاء في صياغة الوعي العام.
ولا ينبغي أن يتحول الاحتفاء بأي شخصية علمية إلى حصانة من النقد أو إلى مبالغة في وصف الإنجازات؛ فالعلم نفسه يقوم على التثبت والمراجعة، وتقدير الباحث يبدأ من احترام تخصصه، والحرص على عرض سيرته وأعماله بدقة، والتمييز بين ما هو موثق وما هو رأي أو انطباع. وهذه في حد ذاتها قيمة فلسفية وأخلاقية ينبغي أن نتمسك بها.
إننا لا نحتاج إلى صناعة رموز من الكلمات، بل إلى التعريف الحقيقي بأصحاب التخصصات، وإتاحة الفرصة أمام أفكارهم وأبحاثهم، والتعرف إلى ما قدموه وما يمكن أن يقدمونه للأجيال الجديدة. فالتقدير الحقيقي لا يكون بمجرد إطلاق الألقاب، وإنما بإفساح المجال للعلم كي يتحدث عن نفسه، وللإنجاز كي يظهر من خلال أثره.
وفي تقديري، فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن نتوقف عندها ونحن نتحدث عن الفلسفة الإسلامية هي أن الأمة التي تتخلى عن التفكير تضعف قدرتها على فهم نفسها، والأمة التي لا تراجع خطابها الثقافي تصبح أكثر عرضة للجمود، والأمة التي تفصل العلم عن الأخلاق قد تحقق تقدمًا في الوسائل، لكنها تظل عاجزة عن الإجابة عن السؤال الأهم: من أجل أي إنسان نبني كل هذا؟
إن الدكتور حامد إسماعيل الفقي، من خلال تخصصه العلمي الذي يدور في رحاب الفلسفة الإسلامية، يتيح لنا فرصة للحديث عن هذه الأسئلة الكبرى، وعن ضرورة أن تستعيد الثقافة مكانتها في حياتنا، وأن يصبح التفكير الجاد جزءًا من اهتمام المجتمع، لا نشاطًا هامشيًا لا يلتفت إليه إلا المتخصصون.
وفي النهاية، فإن أعظم انتصار للعقل ليس أن ينتصر صاحبه في جدال، وإنما أن يصل إلى الحقيقة دون تعصب، وأن يختلف دون إساءة، وأن يعرف دون غرور، وأن يستخدم ما تعلمه في إصلاح ما يستطيع إصلاحه. فالفكر الذي لا يثمر رحمة وعدلًا ووعيًا يظل ناقص الأثر، والعلم الذي لا يحترم الإنسان يفقد أهم غاياته.
إننا نريد لمصر أن تكون دولة تبني الحجر والإنسان معًا، وتحتفي بالعلماء كما تحتفي بالإنجازات، وتفتح أبوابها للعقل المستنير، وتمنح الثقافة مكانتها المستحقة. نريد وطنًا لا يخشى السؤال، ولا يضيق بالاختلاف، ولا يفرط في هويته، بل يستمد قوته من جذوره وينطلق بثقة نحو المستقبل. فالأمم التي تعرف كيف تفكر تعرف كيف تنهض، والأمم التي تحترم عقول أبنائها لا تخشى الغد؛ لأن مستقبلها لا يقوم على ما تملكه من إمكانات فقط، وإنما على ما تمتلكه من عقول تعرف قيمة المعرفة، وتدرك أن الإنسان هو الغاية الأولى لكل حضارة حقيقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *