رئيس التحرير

هيثم زينهم رئيس التحرير يكتب: الدكتور مينا صفوت.. حين تتحول الإدارة إلى رسالة إنسانية ويصبح الإنسان هو أعظم إنجازات مستشفى الهرم

الخميس 05-11-2026 16:54

بقـلـم : هيثم زينهم … رئيـس التحـريـر 

ليست عظمة الرجال فيما يجلسون عليه من مقاعد ولا فيما تحمله بطاقاتهم الوظيفية من ألقاب ولكن فيما تتركه خطواتهم من أثر وفيما تحفظه ذاكرة الناس عنهم من مواقف. فهناك من يمرون بالمناصب مرور العابرين وهناك من يمنحون مناصبهم معنى وقيمة ويحولون المسؤولية من سلطة إلى رسالة ومن واجب وظيفي إلى ضمير حي.

ومن هذه الزاوية تحديدا يستحق الدكتور مينا صفوت مدير مستشفى الهرم أن نتوقف أمام تجربته الإدارية والإنسانية داخل واحد من أكبر الصروح الطبية التي تستقبل مئات المرضى وتفتح أبوابها يوميا أمام أوجاع البشر وأحلامهم في الشفاء.

فالمستشفى ليس جدرانا شاهقة ولا غرفا تتوزع بينها الأسرة ولا أجهزة تصطف في الممرات. المستشفى في جوهره حكاية إنسان يبحث عن فرصة للحياة وأم تخشى على ابنها وأب أنهكه القلق ومريض لا يملك من الدنيا سوى أمل صغير ينتظر أن يتحول إلى حقيقة.

وهنا تصبح الإدارة امتحانا حقيقيا للضمير قبل أن تكون اختبارا للقدرة على التنظيم. لأن إدارة مؤسسة طبية بهذا الحجم لا تعني فقط تسيير العمل ومتابعة الأقسام وضبط المواعيد وإنما تعني إدراك أن خلف كل ملف طبي إنسانا له حكاية وخلف كل حالة مرضية أسرة تنتظر وخلف كل دقيقة تأخير وجعا لا يعرفه إلا صاحبه.

إن قيمة المسؤول لا تظهر في لحظات الهدوء بقدر ما تنكشف في التفاصيل اليومية المرهقة وفي قدرته على ضبط إيقاع العمل وتحقيق الانضباط وتوفير مناخ يحترم المريض ويصون كرامته ويمنح العاملين داخل المؤسسة القدرة على أداء رسالتهم.

ولعل الفارق بين مدير يشغل منصبا وقائد يصنع فارقا هو أن الأول يرى المؤسسة من نافذة مكتبه بينما يدرك الثاني أن نجاحها يبدأ من أبسط تفاصيلها. من نظافة المكان إلى انتظام العمل ومن حسن استقبال المريض إلى سرعة التعامل مع احتياجاته ومن احترام المواطن إلى حماية حقه في الحصول على خدمة طبية تليق بإنسانيته.

ومستشفى الهرم بما يمثله من ثقل طبي وحجم مسؤولية لا يحتاج إلى إدارة تقليدية تكتفي بتدوير الأوراق وإصدار التعليمات بل يحتاج إلى عقل يدير وضمير يراقب ورؤية تدرك أن المريض ليس رقما في سجل ولا حالة عابرة في جدول العمل وإنما إنسان جاء إلى هذا المكان مثقلا بالألم ويستحق أن يجد الرعاية والاحترام.

ومن الإنصاف أن نمنح النماذج التي تعمل في صمت حقها في أن تكون موضع اهتمام وأن نضيء على كل تجربة إدارية تستحق التقييم والإشادة. فالصحافة ليست سيفا يبحث عن مواضع الخطأ فحسب وإنما مرآة ينبغي أن تعكس الحقيقة بوجهيها وأن تنصف الجهد كما تكشف التقصير.

والحديث عن الدكتور مينا صفوت يفتح الباب أمام معنى أكبر من شخص أو منصب وهو أن القيادة الحقيقية داخل المؤسسات الخدمية لا تقاس بعدد القرارات التي تصدر وإنما بمدى انعكاسها على حياة المواطنين. فكلما شعر المريض أنه محترم وكلما وجد العامل أن هناك نظاما يحكم العمل وكلما أصبحت الخدمة أكثر انضباطا اقتربت المؤسسة من الغاية التي وجدت من أجلها.

إن الإنسانية ليست ضعفا في شخصية المسؤول وليست مجاملة على حساب النظام بل هي الوجه الأكثر رقيا للقوة الإدارية. فالصرامة التي تحمي النظام مطلوبة والرحمة التي تحفظ كرامة الإنسان ضرورة لا تقل عنها أهمية. وبين الاثنين تتشكل القيادة التي تستحق الاحترام.

ولأننا نؤمن أن الكلمة مسؤولية وأن الإشادة لا تفقد قيمتها إلا حين تنفصل عن الحقيقة فإننا نؤكد أن مستشفى الهرم يستحق أن يكون دائما في مستوى آمال المترددين عليه وأن تظل مصلحة المريض هي البوصلة التي توجه كل قرار وكل جهد وكل خطوة داخل هذا الصرح الطبي.

وفي النهاية تبقى المناصب صفحات عابرة في سجل العمر أما المواقف الإنسانية فهي التي تظل حاضرة في ذاكرة الناس. فليس أعظم من أن يخرج إنسان من مؤسسة طبية وقد وجد من يخفف ألمه ويحفظ كرامته ويمنحه شعورا بأن هناك من يهتم لأمره.

فالمستشفى قد تصنعه الإمكانات ولكن روحه تصنعها الإنسانية والانضباط والضمائر التي تعرف أن خدمة الإنسان ليست وظيفة تؤدى بل رسالة تستحق أن نحيا من أجلها.

jour_haz@yahoo.com

www.mglatmasr@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *