رئيس التحرير

الدكتورة منى حنا عياد تكتب : بين المدرسة.. والجامعة

الأحد 23-08-2026 16:50

بقلم / دكتورة منى حنا عياد 

نحن بحاجة إلى طالب يعرف كيف يفكر، وكيف يحلل المعلومات، ويحل المشكلات، ويتعامل مع التكنولوجيا بوعي، ويعمل ضمن فريق، ويتواصل مع الآخرين، ويتقبل الاختلاف، ويتعلم من الخطأ، ويتخذ القرار ويتحمل مسؤوليته. وهذه المهارات لا تقل أهمية عن العلوم واللغات والمعارف الأكاديمية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من قدرة الإنسان على النجاح والاستمرار في عالم سريع التغير. فالطالب يحتاج إلى العلم، لكنه يحتاج أيضًا إلى بناء شخصيته. يحتاج إلى الانضباط والنزاهة والاجتهاد، واحترام الآخر، والمرونة، والقدرة على التواصل والعمل الجماعي. ولذلك فإن تطوير التعليم يجب أن يتجاوز فكرة تطوير الكتاب المدرسي إلى تطوير التجربة التعليمية بأكملها، بحيث يصبح الطالب شريكًا في عملية التعلم وليس مجرد متلقٍ للمعلومات. ومن هنا تبرز أهمية المشروعات والعمل الجماعي والخدمة المجتمعية والتدريب العملي وحل المشكلات الحقيقية واكتشاف المواهب والقدرات. فكل تجربة من هذه التجارب يمكن أن تمنح الطالب مهارة لا توفرها له صفحات الكتاب وحدها، وتساعده على اكتشاف نفسه وقدراته والاستعداد بصورة أفضل للحياة العملية. وفي قلب هذه العملية يأتي المعلم، باعتباره العنصر الأكثر تأثيرًا في تشكيل شخصية الطالب. فتطوير التعليم لا يعني فقط تحديث المناهج، وإنما يعني أيضًا الاستثمار في المعلم وتأهيله ليكون قادرًا على اكتشاف إمكانات طلابه، وتحفيزهم على التفكير، ومساعدتهم على تحويل المعرفة إلى مهارات وسلوك وممارسة. إن مصر قطعت خطوات مهمة في تطوير البنية الأساسية لمنظومة التعليم، لكن الاستثمار الأعمق والأطول أثرًا يظل في بناء الإنسان نفسه. فالمدرسة ليست مصنعًا للشهادات، والجامعة ليست مجرد محطة للحصول على وظيفة، وإنما هما المجال الذي تتشكل فيه شخصية المواطن وقدرته على المشاركة والإنتاج وصناعة المستقبل. وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه مع بداية كل عام دراسي هو فقط: ماذا نريد لأبنائنا أن يعرفوا؟ وإنما: أي إنسان نريدهم أن يصبحوا؟ فمستقبل مصر لن تحدده فقط المناهج التي نكتبها، وإنما الإنسان الذي ننجح في بنائه من خلالها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *