الكاتبة الفلسطينية د. أحلام أبو السعود تكتب : «نازا» في البندقية.. عندما تتصدّع الرواية الإسرائيلية من داخلها
الثلاثاء 15-09-2026 15:23
✍️ بقلم: د. أحلام أبو السعود
سفيرة الإعلام العربي والباحثة في الشؤون الفلسطينية
🟢 لم يعد الصراع على غزة يدور في الميدان وحده، ولم تعد المعركة محصورة بين القذيفة والأنقاض، أو بين الطائرة والهدف، بل انتقلت إلى مساحة أكثر خطورة وتأثيرًا: مساحة الرواية والصورة والشهادة والوعي العالمي.
ومن هنا تأتي أهمية الفيلم الوثائقي الإسرائيلي «NAZA» الذي أثار جدلًا واسعًا بعد عرضه في مهرجان البندقية السينمائي، وحصوله على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، في مشهد يكشف أن ما حاولت إسرائيل تقديمه للعالم باعتباره «حربًا على حماس» بات يواجه أسئلة متزايدة حول طبيعة العمليات العسكرية وحجم الأذى الذي لحق بالمدنيين الفلسطينيين.
🟢 المفارقة السياسية الأهم أن الفيلم ليس إنتاجًا فلسطينيًا أو عربيًا معاديًا لإسرائيل، وإنما جاء من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
وهنا تكمن قوة الرسالة.
فعندما تأتي الشهادة من صحفيين إسرائيليين، ويظهر فيها جنود وضباط استخبارات إسرائيليون سابقون أو حاليون يتحدثون عن آليات الاستهداف والعمليات العسكرية، فإن إسرائيل لا تواجه هذه المرة رواية خصمها فقط، بل تواجه أسئلة من داخل بيتها السياسي والعسكري والإعلامي. وقد اعتمد الفيلم، بحسب التقارير، على شهادات سرية من 24 مصدرًا عسكريًا واستخباراتيًا إسرائيليًا.
🟢 وهنا يجب أن نتوقف أمام رد الفعل الإسرائيلي الرسمي.
فبدل أن تُفتح مساحة لنقاش مهني وقانوني حول مضمون الشهادات، جاء الهجوم على الفيلم وصنّاعه من أعلى المستويات السياسية والعسكرية؛ إذ وصف بنيامين نتنياهو الفيلم بأنه «تحريض صادم»، بينما اتهم الجيش الإسرائيلي العمل بالتضليل وتشويه الواقع، وجرى الحديث عن إجراءات قانونية ضد صانعيه.
وهذه النقطة تحديدًا تستحق قراءة سياسية عميقة:
لماذا تتحول شهادة فنية وثائقية إلى قضية أمن قومي؟
لأن الحرب الحديثة لا تُحسم بالسلاح وحده؛ بل تُحسم أيضًا بمن يمتلك القدرة على تعريف ما حدث أمام الرأي العام العالمي.
🟢 إسرائيل أدركت منذ البداية أهمية السيطرة على الرواية؛ ولذلك فإن ظهور فيلم كهذا في أحد أهم المهرجانات السينمائية العالمية لا يعني مجرد نجاح عمل فني، وإنما يعني أن الرواية المضادة بدأت تجد طريقها إلى المنصات الدولية الكبرى.
والأكثر دلالة أن هذا الفيلم يأتي بعد عام واحد فقط من حضور قضية غزة بقوة في مهرجان البندقية من خلال فيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، والذي حصل عام 2025 على جائزة لجنة التحكيم الكبرى بعد استقبال جماهيري مؤثر وتصفيق طويل.
🟢 نحن إذن أمام تراكم ثقافي وسياسي، وليس حادثة منفردة.
ففي عام تظهر قصة طفلة فلسطينية تستغيث بالعالم من داخل سيارة محاصرة، وفي العام التالي يأتي فيلم إسرائيلي يكشف، من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها، شهادات حول آليات الحرب في غزة.
وهنا تصبح السينما أرشيفًا سياسيًا للذاكرة، وليست مجرد شاشة للترفيه.
🟢 والأخطر بالنسبة للرواية الإسرائيلية أن الفيلم يطرح مفهومًا يتجاوز حادثة فردية هنا أو ضربة عسكرية هناك؛ إذ يتحدث عن منظومة وآليات استهداف، وعن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات تحديد الأهداف، وهي قضية سبق أن أثارت نقاشات واسعة حول طبيعة الحرب الحديثة وحدود المسؤولية البشرية عندما تتحول الخوارزميات إلى جزء من عملية اتخاذ القرار العسكري.
وهنا يظهر السؤال السياسي والقانوني الأكبر:
إذا كانت التكنولوجيا تحدد الهدف، فمن يتحمل المسؤولية عندما يكون الهدف منزلًا تسكنه عائلة؟
هل المسؤولية تقع على الخوارزمية؟
أم على من صممها؟
أم على الضابط الذي اعتمد مخرجاتها؟
أم على القيادة التي وضعت قواعد الاشتباك؟
أم على الدولة التي تدير المنظومة بأكملها؟
هذه الأسئلة لا تستطيع الدعاية السياسية أن تلغيها، لأنها في جوهرها أسئلة قانون دولي ومساءلة جنائية وأخلاقية.
🟢 ومن هنا فإن حصول «NAZA» على جائزة في البندقية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره انتصارًا لفيلم على فيلم، بل باعتباره مؤشرًا على اتساع المساحة الدولية التي أصبح فيها النقاش حول غزة مرتبطًا بالمساءلة والمحاسبة، لا بمجرد التعاطف الإنساني.
فالفلسطينيون لم يكونوا بحاجة إلى فيلم إسرائيلي كي يعرفوا ما جرى في غزة؛ لقد عاشوا القصف والتهجير والجوع وفقدان الأحبة بأجسادهم وبيوتهم وذاكرتهم.
لكن أهمية هذه الشهادات أنها تصل إلى جمهور عالمي من خلال أصوات إسرائيلية، وفي فضاءات ثقافية وسياسية لا تستطيع الرواية الفلسطينية وحدها دائمًا الوصول إليها بالسهولة نفسها.
🟢 ولذلك فإن إسرائيل أمام معركة جديدة:
معركة الرواية داخل إسرائيل نفسها.
فحين يخرج صحفيون وفنانون وناشطون إسرائيليون ليطرحوا أسئلة حول الحرب، فإن ذلك يكشف وجود تصدع داخل المجتمع الإسرائيلي حول كيفية فهم ما يجري في غزة، حتى وإن بقيت المؤسسة السياسية والعسكرية الرسمية متمسكة بروايتها.
والرد على هؤلاء بالاتهام بالخيانة أو التحريض أو المساس بالدولة قد ينجح في إسكات بعض الأصوات مؤقتًا، لكنه لا يستطيع محو المادة التي أصبحت موجودة في السينما والصحافة والأرشيف والذاكرة الرقمية.
🟢 إن أخطر ما تخشاه أي دولة في زمن الحروب ليس الصورة التي يلتقطها خصمها، بل الصورة التي يلتقطها أبناؤها من داخلها.
وهنا تكمن أهمية «NAZA».
فالفيلم لا يغيّر ما حدث في غزة، ولا يعيد الشهداء إلى أمهاتهم، ولا يعيد البيوت التي دُمرت، لكنه يضع جزءًا من الأسئلة أمام العالم:
مَن اتخذ القرار؟
كيف اتُّخذ؟
ماذا كان يُعرف عن وجود المدنيين؟
ومن يتحمل المسؤولية عندما يتحول المدنيون إلى أرقام في منظومة عسكرية؟
🟢 ومن منظور فلسطيني، يجب ألا نتعامل مع هذه الأعمال باعتبارها بديلًا عن الرواية الفلسطينية، بل باعتبارها وثائق إضافية في معركة الحقيقة.
فالرواية الفلسطينية هي الأصل، وشهادة أهل غزة هي الذاكرة الحية، وصور الشهداء والنازحين والبيوت المدمرة هي الدليل الإنساني، أما هذه الأفلام والشهادات القادمة من داخل إسرائيل فهي طبقة أخرى من التوثيق قد يكون لها تأثير بالغ في تشكيل الرأي العام العالمي.
🟢 غزة اليوم لا تخوض معركة البقاء فقط؛ إنها تخوض أيضًا معركة الذاكرة.
والاحتلال يستطيع أن يهدم بيتًا، لكنه لا يستطيع أن يهدم كل صورة.
يستطيع أن يمنع صحفيًا من الوصول إلى غزة، لكنه لا يستطيع أن يمنع شهادة خرجت من داخله.
ويستطيع أن يحاول السيطرة على الرواية، لكن عندما تبدأ الرواية بالتصدع من داخلها، يصبح السؤال أكبر من قدرة الدعاية على احتوائه.
💪 غزة لم تعد وحدها في قاعة المحكمة الدولية للرأي العام؛ فحتى بعض الأصوات القادمة من داخل إسرائيل بدأت تضع شهاداتها على الطاولة.
ومن هنا فإن التصفيق الذي دوّى في البندقية ليس هو القضية.
القضية هي أن صوت غزة أصبح حاضرًا في واحدة من أهم منصات الثقافة العالمية، وأن الأسئلة التي حاولت الحرب دفنها تحت الركام بدأت تظهر من جديد على الشاشات، وفي الصحافة، وفي الجامعات، وفي المحافل الدولية.
وإذا كانت الحرب قد حاولت أن تدفن الحقيقة تحت الأنقاض، فإن التاريخ يقول دائمًا إن الحقيقة قد تتأخر… لكنها لا تموت.
وغزة التي كُتب عليها أن تكون ضحيةً في نشرات الأخبار، تكتب اليوم فصلًا جديدًا من تاريخها: من تحت الركام إلى منصة الحقيقة، ومن صمت العالم إلى سؤال العدالة.


اترك تعليقاً