رئيس التحرير

هيثم زينهم رئيس التحرير يكتب : ( الــهـداف ) ديانة التريند … معابد من وهم وكهنة من ورق

الجمعة 02-10-2026 08:51

بقـلـم : هيثم زينهم … رئيـس التحـريـر 

ديانة التريند لها كهنة وطقوس وصلوات، لها معابد وأضرحة

ديانة التريند لها جمهور يحجّ إليها كل مساء 

الكاهن الأول في هذه الديانة ليس حكيمًا ولا نبيًا

في البدء كان الإنسان يبحث عن الخلود في الحجر. بنى الأهرام، شيد المعابد نحت تماثيل الآلهة، كل ذلك ليترك أثرًا لا يزول ، واليوم؟ صار الخلود لا يتجاوز خمس عشرة ثانية خلودٌ هشّ، ينطفئ مع أول مقطع جديد يبتلعه التيك توك إنها ديانة العصر: ديانة التريند لها كهنة وطقوس وصلوات، لها معابد وأضرحة، ولها جمهور يحجّ إليها كل مساء، وهو ممسك بشاشته كما يمسك المؤمن مسبحته .
الكاهن الأول في هذه الديانة ليس حكيمًا ولا نبيًا. بل مجرد شاب عاطل يجلس في غرفته المظلمة، يبتسم للكاميرا كما لو أنه اكتشف أسرار الوجود، ثم يقول شيئًا تافهًا، شيئًا لا يعني شيئًا، ومع ذلك تهتز الأرض له إعجابات وتعليقات.
كلما ارتفع “اللايك” زاد يقين هذا الكاهن أن رسالته سماوية كلما تكررت القلوب الحمراء، صدق أنه المخلّص .
وللديانة الجديدة فقراء أيضًا… أولئك الذين يرقصون في صمت خلف الشاشة، يضحكون، يشاركون، يكررون الكلمات ذاتها، ثم ينامون وهم يظنون أنهم جزء من حدثٍ كوني عظيم .
إنه الفقر الروحي، حين يتعوض الإنسان عن غياب المعنى بوجود إشعار صغير يخبره أن أحدهم تابع حسابه .
أما المعابد؟ فهي ليست من حجر. إنها هواتف تُشحن كل ليلة بالكهرباء، ليبقى “النور” مضاءً، نور الشاشة المقدسة التي تُضيء الوجوه في العتمة.
وللديانة قرابين أيضًا قطعة من الكرامة تُذبح عند باب الكاميرا سرٌّ شخصي يُلقى إلى العلن كأنه صدقة ..
دمعة تُستعرض أمام الغرباء على أمل أن تتحول إلى “مقطع مؤثر”.
والجمهور؟
إنه ليس جماهيرًا بالمعنى القديم. إنه غوغاء لا ترى وجوهها، لكنها تملك سلاحًا لا يُقاوم: زرّ التمرير زرّ واحد كفيل أن يمحو نجمك من الوجود زرّ واحد يجعلك مجرد غبار يذروه الهواء الإلكتروني .

التريند إذا ليس إلا إلهًا جائعًا
إله لا يشبع أبدًا، يطلب المزيد في كل لحظة : المزيد من الرقص، المزيد من الشتائم، المزيد من الفضائح .كلما قدمت له قربانًا، صفق لك الجمهور قليلًا، ثم انصرفوا ليعبدوا ضحية جديدة .
يا لسخرية القدر!
أمّة لم تعد تقرأ الكتب، لكنها تحفظ آخر “تريند” كما يحفظ المؤمن سورة الفاتحة.
أمّة لم تعد تبني حضارة، لكنها تبني حسابات أمّة تحولت من “خير أمة” إلى خير محتوى : لكن، ورغم مرارة المشهد، ثمة درس فلسفي عميق هناالتريند لا يعيش إلا بالضعف البشري هو طفيلي يتغذى على رغبة الناس في الظهورلو لم نكن نحن بهذا الشغف للأضواء، لما وجد التيك توك شيئًا يقتات عليه إنها لعبة تبادل: نحن نقدم أرواحنا، وهو يمنحنا لحظة نشوة
لكن… أي حياة تستحق أن تُختصر كلها في لحظة؟

jour_haz@yahoo.com

mgltmsr@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *