حسين السمنودي يكتب : سينا رجعت كاملة لينا.. ومصر اليوم في عيد
الجمعة 02-10-2026 08:38
بقلم : حسين السمنودي
سينا رجعت كاملة لينا، ومصر اليوم في عيد، عيد لا يشبه أي عيد آخر، لأن فرحته لم تولد من مناسبة عابرة، وإنما خرجت من رحم سنوات طويلة من الصبر والتعب والانتظار، ومن قلوب أرهقها الألم ثم جاء يوم السادس من أكتوبر عام 1973 ليعيد إليها الأمل والثقة والكرامة. في ذلك اليوم لم يكن المصريون ينتظرون خبراً عادياً، بل كانوا ينتظرون لحظة طال اشتياقهم إليها، لحظة تقول لهم إن الأرض التي اغتصبتها الحرب يمكن أن تستردها الإرادة، وإن الهزيمة مهما كانت قاسية لا تستطيع أن تقتل إرادة شعب يؤمن بحقه في أرضه وكرامته.
كان السادس من أكتوبر يوماً مختلفاً في ذاكرة مصر، فقد خرجت فيه القوات المسلحة المصرية لعبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، وبدأت معركة أثبت فيها الجندي المصري أن الإنسان يستطيع أن يتجاوز أصعب الموانع عندما يمتلك الإيمان والتخطيط والشجاعة. ولم يكن العبور مجرد عبور لمجرى مائي، وإنما كان عبوراً من حالة الانكسار إلى الثقة، ومن مرارة الماضي إلى أمل جديد، ومن انتظار طويل إلى بداية طريق استعادة الأرض.
وفي البيوت المصرية كانت القلوب معلقة بما يحدث على الجبهة. كانت الأمهات والآباء والزوجات والأبناء يعيشون ساعات لا تشبه أي ساعات أخرى، يتابعون الأخبار بقلوب خائفة وأعين ممتلئة بالدعاء، وكلما جاء خبر عن تقدم القوات المصرية علت الزغاريد في بعض البيوت، وانهمرت الدموع في بيوت أخرى، واختلطت مشاعر الخوف بالفرح، لأن وراء كل جندي مصري على الجبهة أسرة تنتظر عودته، ووراء كل خطوة على أرض سيناء حكاية وطن بأكمله.
كانت مصر كلها يومها على قلب رجل واحد. الفلاح في قريته، والعامل في مصنعه، والموظف في مكتبه، والطالب في مدرسته، والأم في بيتها، والطفل الذي لم يكن يفهم تفاصيل المعركة لكنه كان يشعر أن شيئاً عظيماً يحدث لمصر. لم يكن النصر في ذلك اليوم ملكاً لفئة واحدة، وإنما كان فرحة وطن كامل، شارك فيها الجميع بما يستطيعون، وتحولت فيها مصر من مجرد دولة تخوض حرباً إلى شعب بأكمله يعيش المعركة بأعصابه ودمه ودعائه وأمله.
وكانت سيناء في قلب كل مصري، حتى وهي بعيدة عن أعينهم. كانت أرضاً يعرف المصريون قيمتها، ويعرفون أن الرمال ليست مجرد رمال، وأن الجبال والوديان والطرق والمدن والقرى تحمل جزءاً من تاريخ مصر وهويتها. ولذلك كان الحديث عن سيناء دائماً حديثاً عن الوطن نفسه، وعن أرض لا يمكن أن تغيب عن القلب مهما طال الزمن.
وحين بدأت مصر تستعيد أرضها خطوة بعد خطوة، لم تكن الفرحة مرتبطة فقط بتحرك الجنود على الأرض، بل كانت مرتبطة بإحساس عميق بأن الوطن يستعيد جزءاً من روحه. وكل شبر عاد إلى السيادة المصرية كان يحمل معه رسالة إلى الأجيال الجديدة تقول إن الأوطان لا تُصان بالكلام وحده، وإنما بالعمل والعلم والتضحية والوعي والاستعداد.
لقد ترك انتصار أكتوبر في وجدان المصريين معنى أكبر من حدود المعركة نفسها. علّمنا أن القوة ليست في السلاح وحده، وأن الجيوش لا تنتصر فقط بما تملكه من معدات، وإنما أيضاً بما تمتلكه من إرادة وانضباط وإيمان بالقضية. وعلّمنا أن الإنسان المصري عندما تتجمع أمامه الصعاب يستطيع أن يحولها إلى طريق للنجاح، وأن المستحيل قد يصبح ممكناً عندما تتوحد الإرادة ويصبح الهدف واضحاً أمام الجميع.
واليوم، عندما نتذكر أكتوبر، فإننا لا نستعيد صور الدبابات والطائرات والجنود فقط، وإنما نستعيد صورة مصر وهي ترفع رأسها من جديد. نستعيد دموع الأمهات، ودعوات الآباء، وفرحة الأطفال، وابتسامة الجندي الذي عاد من الجبهة، وأصوات المصريين وهي تردد أن الأرض المصرية ستظل دائماً أغلى من كل شيء.
سينا رجعت كاملة لينا، ومصر اليوم في عيد، لأن سيناء ليست مجرد قطعة من الأرض، وإنما ذاكرة وطن، ومسرح بطولات، وشاهد على قدرة المصريين على الصمود. وفي كل مرة تطأ فيها أقدام المصريين أرض سيناء، فإنهم لا يمشون فوق الرمال فقط، بل يمشون فوق صفحات من تاريخ صنعه رجال آمنوا بأن الوطن يستحق التضحية.
ومن حق الأجيال الجديدة أن تعرف أن أكتوبر لم يكن حكاية قديمة نرويها في المناسبات، بل درساً دائماً في معنى الوطن. فالوطن الذي دفع أبناؤه الدم من أجل أرضه لا يجوز أن تتحول ذكراه إلى مجرد احتفال عابر، وإنما يجب أن تتحول إلى عمل وبناء وعلم وإتقان وحفاظ على كل شبر من ترابه.
إن أعظم ما يمكن أن نقدمه لأبطال أكتوبر اليوم هو أن نحافظ على مصر قوية، وأن نعمل من أجل مستقبلها، وأن نزرع في أبنائنا احترام الوطن ومعرفة تاريخه، وأن ندرك أن الانتصار الحقيقي لا ينتهي بانتهاء المعركة، وإنما يستمر عندما يتحول النصر إلى بناء واستقرار وتقدم.
يا سيناء، يا أرض البطولات، يا صفحة مضيئة في كتاب مصر، سلام على كل شهيد ارتقى من أجل ترابك، وسلام على كل جندي حمل سلاحه وهو يعلم أن خلفه وطناً بأكمله ينتظر النصر، وسلام على كل أم دفعت ابنها إلى طريق الواجب وهي تعرف أن الوطن أغلى من الخوف.
وسلام على مصر التي إذا اشتدت عليها المحن صبرت، وإذا ظن البعض أن الطريق قد انتهى بدأت من جديد، وإذا حاولت الأيام أن تضعف عزيمتها أثبتت أن هذا الشعب يعرف كيف يحفظ أرضه وكرامته.
سينا رجعت كاملة لينا، ومصر اليوم في عيد، وسيظل السادس من أكتوبر يوماً تتجدد فيه الحكاية، وتتعلم فيه الأجيال أن الأرض لا تُنسى، وأن الكرامة لا تسقط بالتقادم، وأن وراء كل نصر شعباً صبر، وجيشاً ضحى، ووطنًا آمن بأن غداً يمكن أن يكون أفضل.
وفي كل أكتوبر ستظل مصر تقول لأبنائها: هذه أرضكم، وهذه حكاية أجدادكم، وهذه راية وطنكم، فاحفظوها بالعلم والعمل والوعي، واجعلوا من انتصار آبائكم بداية لمستقبل أقوى وأجمل.
مصر في عيد، وسيناء في القلب، وذكرى أكتوبر ستظل حاضرة ما بقي في هذا الوطن قلب ينبض بحب مصر.


اترك تعليقاً